أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
51
العقد الفريد
وتريه الغيّ رشدا * وتريه الرّشد غيا ! وقال أيضا : عتّقت في الدّنّ حولا * فهي في رقة ديني « 1 » وقال الناطق بالحق : تركت النّبيذ وأصحابه * وصرت خدينا لمن عابه « 2 » شراب يضلّ سبيل الرشاد * ويفتح للشّرّ أبوابه وإنما قيل لمشارب الرجل : نديم ، من الندامة ؛ لان معاقر الكأس إذا سكر تكلم بما يندم عليه ؛ فقيل لمن شاربه : نادمه ؛ لأنه فعل مثل ما فعله ، فهو نديم له ؛ كما يقال : جالسه فهو جليس له ؛ والمعاقر : المدمن ، كأنه لزم عقر الشيء أي فناءه . وقال أبو الأسود الدؤلي : دع الخمر يشربها الغواة فإنني * رأيت أخاها مغنيا بمكانها فإن لا تكنها أو تكنه فإنّه * أخوها غذته أمّه بلبانها « 3 » أصحاب الشراب وقد شهر أصحاب الشراب بسوء العهد . وقلة الحفاظ ، وأنهم صديقك ما استغنيت حتى تفتقر ، وما عوفيت حتى تنكب . وما غلب دنانك حتى تنزف ، وما رأوك بعيونهم حتى يفقدوك ؛ قال الشاعر : أرى كلّ قوم يحفظون حريمهم * وليس لأصحاب النّبيذ حريم إخاؤهم ما دارت الكأس بينهم * وكلّهم رثّ الحبال سئوم إذا جئتهم حيّوك ألفا ورحّبوا * وإن غبت عنهم ساعة فذميم فهذا بياني لم أقل بجهالة * ولكنّني بالفاسقين عليم
--> ( 1 ) الدن : وعاء لشرب الخمر . ( 2 ) الخدين : الصديق . ( 3 ) اللبان : ما يرتضع الصبي من ثدي أمه .